محمد بن جرير الطبري

483

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله : { وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ } قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : " ولا يجرمنكم " ، ولا يحملنكم ، كما : - 10990 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : " ولا يجرمنكم شنآن قوم " ، يقول : لا يحملنكم شنآن قوم . 10991 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " ولا يجرمنكم شنآن قوم " ، أي : لا يحملنكم . * * * وأما أهل المعرفة باللغة فإنهم اختلفوا في تأويلها . فقال بعض البصريين : معنى قوله : " ولا يجرمنكم " ، لا يُحِقَّنَّ لكم ، لأن قوله : ( لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ ) [ سورة النحل : 62 ] ، هو : حقٌّ أن لهم النار . ( 1 ) * * * وقال بعض الكوفيين : معناه : لا يحملنَّكم . وقال : يقال : " جرمني فلان على أن صنعت كذا وكذا " ، أي : حملني عليه . * * * واحتج جميعهم ببيت الشاعر : ( 2 ) وَلَقَدْ طَعَنْتَ أَبَا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً . . . جَرَمَتْ فَزَارَةُ بَعْدَهَا أَنْ يَغْضَبُوا ( 3 )

--> ( 1 ) هذه مقالة الأخفش ، كما ذكر ذلك صاحب لسان العرب ، مادة ( جرم ) . ( 2 ) هو أبو أسماء بن الضّريبة . ويقال : هو لعطية بن عفيف ، ونسبه سيبوبه للفزاري مجهلا . ( 3 ) سيبويه 1 : 469 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 147 ، مشكل القرآن : 418 ، والفاخر : 200 ، الجواليقي : 163 ، البطليوسي : 313 ، الخزانة 4 : 310 ، اللسان ( جرم ) . وسبب الشعر أن كرزًا العقيلي ، قتل أبا عيينة حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري يوم حاجر ، فلما قتل كرز ، قال الشاعر يرثيه ويخاطبه : يَا كُرزُ ، إنَّكَ قَدْ قُتِلْتَ بِفَارِسٍ . . . بَطَلٍ إذَا هَابَ الكُمَاةُ وَجَبَّبُوا " جبب الرجل تجبيبًا " : إذا فر ومضى مسرعًا . وروى البكري في معجم ما استعجم أنه قال : يَا كُرْزُ إنَّكَ قد فَتَكْتَ بِفَارِسٍ . . . بَطَلٍ إذَا هَابَ الكُمَاةُ مُجَرَّبِ وكأنه شعر غير هذا الشعر .